قهوة وفيروز ودرويش!

عطر أمي الصباحي

قد كان درويش عاشقا للقهوة  يرى فيها عطر أمه الصباحي المفضل، و كتب فيها الكثير. و كان يحب صنعها بيديه، بل أنه كان يعتبر أن اليد التي لا تجيد صنع القهوة لا تجيد كتابة قصيدة.

في قهوة ع المفرق…

و القهوة هنا ليست مجرد الفنجان و إنما المقهى نفسه أو المكان الذي تُحتسى فيه القهوة، ربما ع المفرق، كما شدت فيروز:

في قهوة ع المفرق في موقدة  في نار  
نبقى أنا و حبيبي نفرشها بالأسرار 
جيت لقيت فيها عشاق اتنين زغار   
قعدوا على مقاعدنا سرقوا منا المشوار

مثلث درويش وفيروز و القهوة

و الحق أن كلمات درويش بمثابة فنجان قهوة يعدل المزاج ، يشبهه صوت فيروز المعادل لقهوة الصباح، هي أيضا تعدل المزاج. ربط الكثيرون بين درويش و القهوة، و ربطوا أيضا بين فيروز و القهوة. لكن ماذا عن فيروز و درويش معا؟ ضلع المثلث الثالث. لم تشدو فيروز بكلمات درويش إلا إنهما اتفقا على الأرض التي تستحق. فقد تشابه الإحساس بينهما إذ قال عن الأرض:

على هذه الأرض ما يستحق الحياة: تردد إبريل، رائحة الخبزِ في 
الفجر، آراء امرأة فى الرجال، كتابات أسخيليوس، أول الحب، عشب
على حجرٍ، أمهاتٌ تقفن على خيط ناى، وخوف الغزاة من الذكرياتْ.

و غنت هي عن الأرض:

الأرض لكم
فالأرض تبتهجُ
بملامسة أقدامكم العارية
 
والأرض لكم
وشعوركم مسترسلة
تتوقُ إليها الريح
 
والأرض لكم
وأنتم الطريق،
فانهضوا من قيدكم عراة أقوياء
 
والأرض لكم
قدّسوا الحرية
حتى لا يحكُمَكُمْ طغاةُ الأرض

و رغم أنهما لم يجتمعا في أغنية، إلا أن هذا المثلث، درويش و فيروز و القهوة، شديد الترابط و كل ضلع فيه يذكّر بالآخر و يقود إليه بشكل غريب! فانظر كيف يتشابهان معا. فدرويش يعكس الهدوء و الكلام على مهل. مما جعله يرى أن القهوة يجب أن تعكس نفس الهدوء، و يقرر ذلك قائلا:

 القهوة لا تُشرب على عجلٍ، القهوةٌ أخت الوقت تُحْتَسى على مهلٍ،
وتصنعُ على مهلٍ

ألا تعطيك فيروز نفس الشعور؟ ألا ترى أنها أيضا تعكس نفس الهدوء وهي تغني بنفس الوتيرة الهادئة المخففة لأي توتر؟!

لا قهوة تشبه أخرى

لا قهوة تشبه قهوة أخرى لكل بيت قهوته ولكل يد قهوتها لأنه لا نفس تشبه نفسا أخرى، وأنا أعرف القهوة من ‏بعيد تسير فى خط مستقيم فى البداية ثم تتعرج وتتلوى وتتأود وتتلوى وتتأوه وتلتف على سفوح ومنحدرات ‏تتشبث بسنديانة أو بلوطة وتتغلب لتهبط الوادى وتلتفت إلى ما وراء وتتفتت حنينا إلى صعود الجبل وتصعد حين ‏تتشتت فى خيوط الناى الراحل إلى بيتها الأول.

لا مذاق محدد للقهوة

لا يوجد مذاقٌ محدد للقهوة، أعرف قهوتي وقهوة أمي وقهوة أصدقائي، أعرفها من بعيد وأعرف الفوارق بينها، والسبب في أن لا قهوة تشبه قهوة أخرى ليس ‏هناك مذاق اسمه مذاق القهوة، فالقهوة ليست مفهوما وليست مادة واحدة وليست مطلقا، لكل شخص قهوته‏ الخاصة به، إلى حد أقيس معه درجة ذوق الشخص وأناقته النفسية بمذاق قهوته

و لكن أليس مذاق القهوة المتنوع هنا يشبه تنوعك يا درويش؟ أم أنه يشبه تنوع فيروز اللامتناهي رغم بساطة أدائها السهل الممتنع؟! ألا يشبه ذلك شدوها في نفس الجملة:

و انت اللي بكرهه و اللي بحبه انت..

أو :

تعا ولا تجي و اكذُب عليا..
 و اوعدني انو راح تجي و لا تجي..

لا أريد غير رائحة القهوة

هنا يقرر درويش ما يريد بكل وضوح. و يصف كيف أن القهوة هي القادرة على تحويله لكائن حي يمكنه الوقوف على قدميه. و يراها المحفّز له على بدء يومه و مصاحبة نهاره. ليبحثا معا عن مكان جديد.

أُريد رائحة القهوة. لا أريد غير رائحة القهوة. ولا أريد من الأيام كلها 
غير رائحة القهوة، رائحة القهوة لأتماسك، لأقف على قدمىّ، لأتحول
من زاحف إلى كائن، لأوقف حصتى من هذا الفجر على قدميه.
لنمضى معًا، أنا وهذا النهار، إلى الشارع بحثًا عن مكانٍ آخر.

حين تتحول الإرادة لهدف

تبقى الإرادة محض أمنية مالم تقم بتحويلها إلى هدف. يبدو أن درويش أدرك ذلك جيدا. فقد اختار دوما إعداد فنجان قهوته معترفا بهوسه. ذلك الهوس جعل القهوة غاية وهدف.

أُريد رائحة القهوة. أريد خمس دقائق .أُريد هدنة لمدة خمسة دقائق 
من أجل القهوة. لم يعد لى من مطلب شخصى غير إعداد فنجان 
القهوة. بهذا الهوس حدّدت مهمتى وهدفى. توثبتْ حواسى كلُّها 
فى نداء واحد واشرأبّت عطشى نحو غاية واحدة: القهوة.

ألا تشبه هذه الإرادة القوية لدى درويش بالقهوة نفس إرادة فيروز القوية لحبيبها الذي جعلها تشدو أنها له و هو لها فلا مجال لرفض أو عتاب من أحد بعد اختيارها له:

أنا لحبيبي و حبيبي إلي
يا عصفورة بيضا لا بقى تسألي
لا يعتب حدا ولا يزعل حدا
أنا لحبيبي وحبيبي إلي

من بهم يشبه من؟ لا جواب قاطع! إلا أن جميعهم يمثلون عنفوان الصباح و قوة الأمل و رقة الياسمين.

اشترك مجاناً في نشرتنا البريدية
إشتراكك المجاني في النشرة البريدية سيتيح لك البقاء على إطلاع بكل الأخبار و التقارير
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
قد يهمك أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.